أخبار وطنية صحفيون أمام القضاء وفقا لقانون الارهاب: هــل عادت حليمــة لـعـادتها القديمة؟!
يلاحظ المتابع للمشهد الاعلامي التونسي، أنه ورغم هامش الحرية الذي تمتّع بها هذا القطاع بعد ثورة 14 جانفي، فان بعض الملاحقات والتضييقات الحاصلة تحيل الى التفكير في أن بعض الجهات ترنو الى تضييق الخناق مجددا على السلطة الرابعة واعادتها الى مربع الطاعة، عبر أساليب قد تكون مختلفة في شكلها عن تلك التي استعملها النظام السابق، لكن وان اختلف الأسلوب فان الهدف واحد وهو ترهيب الاعلام..
اليوم نجد وسائل اعلام واعلاميين يحاكمون على خلفية نشر مقالات وبثّ أخبار حول موضوع الارهاب، وهنا نتساءل هل باتت وسائل الاعلام فعلا خطرا على الأمن العام وتشجع بما تنشره من مقالات الارهاب والارهابيين.. أم أن مسألة التعلل بمقاومة الارهاب جاءت فقط للحدّ من حرية التعبير؟
انطلاق حديثنا في هذا الموضوع، كان على خلفية ما عاشه قطاع الاعلام مؤخرا، حيث جدّت حادثتين يمكن اعتبارهما بمثابة ناقوس الخطر الذي ينبهنا الى محاولات جادة لتكميم الأفواه عبر المحاكمات، حيث استدعت الفرقة الوطنية لمكافحة الإرهاب بالعوينة رئيس تحرير موقع «حقائق أون لاين»، محمد اليوسفي، على خلفية نشر مقال حول موضوع الإرهاب في تونس على الموقع المذكور...
من ناحية أخرى، استدعت فرقة الأبحاث في جرائم الإرهاب بالقرجاني، صحفيين من مؤسسة التلفزة التونسية وهم: حمادي الغيداوي وزينة المليكي وأمال بوقزي ونادية الرتيبي والمصور ربيع المسعودي، وذلك للاستماع إليهم في قضية عرض صورة رأس الطفل الشهيد راعي الأغنام مبروك السلطاني وقد وجهت لهم تهمة تمجيد الإرهاب وتكوين وفاق إرهابي.
استدعاء الصحفيين من قبل فرق مختصة في مقاومة الارهاب، في تجاهل تام للمراسيم المنظمة للقطاع والتي بالامكان اعتمادها لمعاقبة الصحفي على أخطائه المهنية... إشكال طرحناه على بعض الوجوه الاعلامية ليدلي كل بدلوه فيه خاصة لما يكتسيه من أهمية وخطورة....
محمد اليوسفي: «ان تكون صحفيا ليس جريمة»
تلقّى الصحفي ورئيس تحرير موقع «حقائق أون لاين»، محمّد اليوسفي، إستدعاءً للمثول لدى الوحدة الوطنيّة للأبحاث في جرائم الإرهاب بالعوينة؛ يوم الجمعة 15 جانفي 2016 حمله إليه عونا أمن من دعواه الى اصطحابهما دون الإشارة إلى أسباب ذلك، ويذكر أن اليوسفي رفض الامتثال لهذا الاستدعاء باعتباره غير قانوني حيث أنّه لم يتضمّن صفته المهنية واِسمه الثلاثي ورقم بطاقة التعريف الوطنية وسبب الإحالة على التحقيق.
وأكد اليوسفي أن رفضه ليس تحديا منه للأمن والقضاء أو لأن الصحفي فوق القانون.. بل نظرا لكون الاستدعاء لم يستجب للاجراءات القانونية المتعارف عليها ومن غير المعقول أن تتم دعوة صحفي للتحقيق بتلك الطريقة المهينة على حدّ تعبيره ، كما أشار الى أن الصحفي يحترم مؤسسات الدولة ويدعمها في حربها ضد الارهاب بشكل مهني لا من منظور السقوط في منزلق البروباغندا الفجة.
من جهة أخرى بيّن محمد اليوسفي أنه سبق التحذير من قانون الارهاب لكونه سلاحا ذا حدين حيث من شأنه أن يساعد الأمنيين في ملف الارهاب لكن من جهة أخرى قد يتم استغلاله للتضييق على الحريات تحت ذريعة محاربة الارهاب ..
وتمنى محدثنا أن تكون مثل هذه الحوادث عرضية وألا تكون سياسة ممنهجة لأن المستفيد الوحيد منها سيكون العدو الارهابي، مؤكدا أن الاعلامي ليس مستعدا اليوم للمقايضة بين الأمن والحرية، وان المطلوب هو ايجاد حلّ لمقاومة الارهاب مع الحفاظ على الحريات، وطالب اليوسفي السلطة السياسية بتوضيح موقفها وايجاد استراتيجية واضحة لأن الاعلامي غير مستعد لتحمل مسؤولية اخطائها
وأضاف محمّد اليوسفي أن الجميع مطالب اليوم بالوقوف صفا واحدا في وجه الارهاب تحت شعار واحد وهو «لا حياد مع الارهاب».
وختم بالتأكيد على كون التعاطي الأمني مع الصحفيين يدخل في خانة الترهيب النفسي قائلا: « ان تكون صحفيا ليس جريمة».
زياد الهاني: كل محاكمة خارج اطار المرسوم 115 انتهاك للقانون
من جهته أكد الاعلامي زياد الهاني، أن تتبع الصحفي قضائيا نتيجة لخطأ مهني يكون استنادا الى المرسوم عدد 115 لسنة 2011 الذي نظّم اجراءات استدعاء الصحفيين ومقاضاتهم، مضيفا أن كل استدعاء للصحفيين في قضية مهنية خارج اطار الاجراءات المنصوص عليها في المرسوم 115 يعتبرا انتهاكا للقانون وتجاوزا للسلطة ..
وأفادا الهاني أن المنظمة التونسية لحماية الاعلاميين تندد بما حدث مؤخرا من إحالة صحفيين على أعوان الضابطة العدلية للتحقيق معهم، مؤكدا أن هذه المحاولات هدفها ترهييب الصحفيين وضربا لحرية الاعلام، مبينا أن المنظمة دعت كافة الزملاء الى عدم الاستجابة لأية استدعاءات توجه لهم بخلاف الاجراءات المنصوص عليها في المرسوم عدد 115 الذي أوجب أن يكون مثول الصحفي الذي يرتكب خطأ مهنيا موجبا لتتبعه جزائيا فقط أمام الدائرة الحكمية المختصة، وأشار الى أن احالة الصحفي على الدائرة القضائية المختصة لا يتم الا بعد اجتماعها في حجرة الشورى واتخاذها قرارا بالتتبع في أجل 15 يوما وهو ما يمثل ضمانة منحها القانون للصحفي حتى لا يقع استسهال تتبعه قضائيا وهرسلته وارهابه واثنائه عن القيام بعملها.
وليد الماجري: محاولات لتكميم الأفواه وبث الرعب وتحويل الصحفي الى مجرّد بوق
شأنه شأن زياد الهاني، رأى رئيس تحرير جريدة آخر خبر الصحفي وليد الماجري أن استدعاء الصحفي واستجوابه لا يمكن أن يكون خارج ما تضمنه المرسوم عدد 115 الذي بموجبه يعرف الصحفي ما له وما عليه، مبيّنا أن المرسوم يحدّد مسؤوليات الصحفي وكيفية التعاطي مع أخطائه.
وأفادنا الماجري أن القضاء التونسي ولأسباب مجهولة يرفض التعامل مع هذا المرسوم ويخيّر الاستناد الى المجلة الجزائية ومحاكمة الصحفي على أخطائه المهنية كأي مواطن عادي ارتكب جرما، موضحا أن استدعاء الصحفي وفقا لقانون الارهاب يعدّ سابقة خطيرة جدا لأنه بالامكان اعتماد هذا القانون يدا طولى لضرب الصحفي وترهيبه، رغم كون هذا الأخير لا يشكل خطرا على حياة الناس .
واعتبر وليد الماجري أن عدم استعمال المرسوم هو عبارة عن سعي ممنهج من قبل الدولة التونسية لترهيب الصحفي عبر أجهزتها سواء الأمنية أو القضائية أو الحكومية .. ومحاولة لتكميم الأفواه وبث الرعب وتحويل الصحفي الى مجرّد بوق وكاتب عمومي ينقل حرفيا ما يتم نشره من بيانات رسمية دون اجتهاد او بحث .
واستغرب الماجري من عدم تتبع بعض المواقع التي تشكل فعلا خطرا على أمن البلاد بمساهمتها فعليا في دعم الارهاب كموقع الصدى وقناة الزيتونة وغيرهما، معتبرا هذه الوسائل الاعلامية مجرّد أبواق دعائية للارهاب محصنة من التتبع القضائي، نفس الأمر بالنسبة الى بعض وسائل الاعلام المختصة في الثلب والتشهير كجريدة المساء والثورة نيوز .
وختم وليد كلامه، بالتأكيد على أن استدعاء شرفاء المهنة لدليل على محاولات الترهيب واعادتنا الى المربع الأول وهو مربع الطاعة.
ناجي البغوري يحذّر من خطورة التضييق على الحريات الإعلامية
من جانبه أعلن نقيب الصحافيين التونسيين، ناجي البغوري، في تصريحات اعلامية عن تضامنه مع كافة الزملاء معتبرا أن مثل هذه الممارسات هي بمثابة محاولة للهرسلة (التنكيل) وتخويف الصحافيين لعدم الخوض في قضايا الإرهاب، وهي مؤشر سيّئ للحكومة الجديدة، ومحاولة لإقحام القضاء من أجل الحدّ من حرية الإعلام، والتضييق على الإعلاميين.
وحذّر من خطورة استعمال الحرب على الإرهاب للتضييق على الحريات الإعلامية ومحاصرة الإعلاميين وتخويفهم، ونبه إلى مخاطر توظيف القضاء في هذا المجال خاصة في ظل وجود آليات للتعديل و التعديل الذاتي في تغطية الأحداث الإرهابية، وبالتزام المشرع التونسي بحصر الإحالة في القضايا المتعلقة بالصحافة والطباعة والنشر وفق المرسوم 115.
وقد تقرّر في هذا الصدد إحداث خلية أزمة نقابية دائمة لتقديم الدعم للصحفيين المستهدفين ولإيجاد الآليات الضرورية للتصدي لمثل هذه الممارسات.
محمد السعيدي: خرق للمرسوم 115 المنظم للقطاع الإعلامي
أما كاتب عام النقابة العامة للإعلام محمد السعيدي فذكر أن النقابة تلقت باستغراب واستنكار احالة عدد من الإعلاميين ومصور تلفزي بالتلفزة التونسية على فرقة الأبحاث بالقرجاني على خلفية بث صورة الراعي الشهيد، مؤكدا أن هذا الاستدعاء هو خرق للمرسوم 115 ويكشف عن نية محاكمة الاعلاميين عبر قوانين لا علاقة لها بتنظيم القطاع.
وأكد السعيدي أن كل محاولات العودة إلى الوراء في مجال الحريات مرفوضة، وأن القوانين المنظمة للقطاع هي الفيصل في محاكمة الاعلاميين
ودعا محمد السعيدي كل مكونات القطاع والمجتمع المدني إلى التصدي المشترك لكل محاولات العودة إلى المربع الأول والتراجع عن المكتسبات التي حققها الاعلاميون طيلة عقود من النضال.
ختاما نذكّر أن النقابة الوطنية للصحفيين أحدثت«خلية أزمة نقابية دائمة»، لتقديم الدعم للصحفيين الذين تم استدعاؤهم للمثول أمام التحقيق، وفق مقتضيات قانون مكافحة الإرهاب، وإيجاد الآليات الضرورية للتصدي لمثل هذه الممارسات.
تنديد من قبل النقابات
من جهة أخرى نشير الى أن عديد النقابات استنكرت استدعاء بعض الزملاء الصحفيين والتقنيين من طرف فرقة مختصة في الارهاب، حيث نددت النقابة الأساسية لقناة حنبعل بهذا الإجراء وأكدت وقوفها ودعمها للزملاء، مشيرة الى أن المرسوم 115 هو القانون الوحيد الذي ينطبق على الصحفيين في ما يخص الأخطاء والمهنية.
أما النقابة الاساسية لوكالة تونس افريقيا للأنباء، فأعربت عن مساندتها المطلقة للزملاء في مؤسسة التلفزة التونسية مؤكدة استعدادها لاتخاذ الأشكال النضالية المناسبة بالتنسيق مع النقابات الأساسية والنقابة للعامة للإعلام وهياكل الاتحاد العام التونسي للشغل.
النقابة الأساسية لأعوان الإدارة والإنتاج والتقنيين بالتلفزة التونسية، أصدرت هي الأخرى بيانا أكدت فيه تمسكها بتطبيق المرسومين 115 و 116 في ما يخص الإعلاميين، مشيرة الى أن ما حصل ما هو الا محاولة لترهيب الإعلامين وأعلنت النقابة استعدادها للدفاع عن كل الزملاء بكل الطرق النضالية والتنسيق التام مع كل النقابات في القطاع وهياكل الإتحاد العام التونسي للشغل من أجل الدفاع عن كل الزملاء.
اعداد: سنــاء المــاجري